حين تمرّ الأيام كأنها ساعات.. تأمل في تقارب الزمان وبركة العمر
هل شعرت يومًا أن السنوات الأخيرة مرّت أسرع مما ينبغي؟
يبدأ الأسبوع، ثم لا تكاد تلتفت حتى ينتهي. يأتي رمضان فنستقبله، ثم نفاجأ بلياليه الأخيرة. يكبر الأطفال، وتتغير الوجوه، وتمضي الأعمار، وننظر خلفنا أحيانًا متعجبين: متى مرّ كل هذا الوقت؟
الغريب أن الإنسان اليوم يملك من وسائل توفير الوقت ما لم يملكه من عاش قبله؛ السيارة اختصرت الطريق، والهاتف اختصر المسافات، والإنترنت جعل أعمالًا كانت تحتاج أيامًا تُنجز في دقائق. ومع ذلك، يشكو كثير من الناس أن الوقت لم يعد يكفي.
كأننا كلما وفرنا دقيقة، وجدنا عشرات الأشياء الجديدة تتنافس عليها.
وهنا يقف المسلم أمام حديث عجيب أخبر به النبي ﷺ منذ قرون، فينظر إلى عمره ووقته نظرة مختلفة.
«يتقارب الزمان»
قال رسول الله ﷺ:
«لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان...»
وجاء في الحديث:
«لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار»
إنها صورة شديدة التعبير: سنة تمر كأنها شهر، وشهر كأنه أسبوع، ويوم كأنه ساعة.
وقد ذكر العلماء معاني متعددة لـ تقارب الزمان، ومن أشهرها ذهاب البركة منه، حتى يمر الوقت ولا يستطيع الإنسان أن ينجز فيه ما كان يُنجز من قبل. وذكر بعض أهل العلم أيضًا احتمال أن يقع في آخر الزمان تقارب حقيقي محسوس.
ولهذا ينبغي ألا نجزم بأن كل شعور شخصي بسرعة الأيام هو وحده المقصود بالحديث، لكن الحديث يفتح أمامنا بابًا مهمًا للتأمل: قد يطول الوقت في الساعة، بينما تقصر بركته في الحياة.
أربع وعشرون ساعة.. ولكنها ليست متساوية
كل إنسان يملك في يومه أربعًا وعشرين ساعة. لكن هل كل أربع وعشرين ساعة متساوية حقًا؟
قد يعيش إنسان يومًا واحدًا فيخرج منه بعلم تعلمه، وصلاة خشع فيها، وعمل أتقنه، ووالدين أسعدهما، وصدقة أخفاها، وكلمة طيبة تركها في قلب إنسان.
ويمر اليوم نفسه على آخر بين تنقل لا ينتهي في الهاتف، ومقاطع لا يتذكر منها شيئًا، وأخبار لا تغير في حياته شيئًا، وجدال لا ينفعه، وتأجيل لما يعرف أنه أهم.
كلاهما عاش اليوم نفسه بالحساب. لكن أحدهما عاشه، والآخر فقط مرّ به.
وهنا نفهم شيئًا من معنى البركة. فالبركة ليست بالضرورة أن يصبح اليوم أطول، وإنما أن يضع الله في القليل أثرًا كثيرًا، وأن ترى ثمرة وقتك في دينك، وعملك، وأهلك، ونفسك.
ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ:
«اللهم بارك لأمتي في بكورها»
إنها البركة؛ شيء لا تقيسه عقارب الساعة وحدها.
الإنسان في الحقيقة ليس إلا أيامًا
نحن عادة نقيس أعمارنا بالسنوات. نقول: عمري ثلاثون، أو أربعون، أو ستون عامًا. لكن العمر في حقيقته ليس رقمًا مكتوبًا في بطاقة الهوية؛ العمر هو هذه الساعة التي تمر الآن.
وكل يوم ينتهي لا يذهب وحده، بل يأخذ معه جزءًا من أعمارنا لن يعود.
ولهذا أقسم الله بالزمن فقال:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
سورة العصر: 1–3. — القرآن الكريم
وكأن السورة القصيرة تضع الإنسان أمام الحقيقة كلها: الوقت يمضي، والإنسان يخسر من رأس مال عمره في كل لحظة، ولا ينجو من هذه الخسارة بمجرد أن يعيش طويلًا، بل بأن يملأ هذا العمر بالإيمان والعمل الصالح والحق والصبر.
فالمشكلة ليست أن الوقت يمر. الوقت خُلق ليمر. المشكلة أن يمرّ ولا يترك وراءه شيئًا ينفعنا.
«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس»
قال النبي ﷺ:
«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»
والغبن أن يملك الإنسان شيئًا ثمينًا ثم لا يعرف قيمته إلا بعدما يفقده.
كم من إنسان كان يملك جسدًا يستطيع به أن يقوم للصلاة، ويمشي، ويسافر، ويعمل، ويخدم والديه، ثم عرف قيمة الصحة عندما مرض.
وكم من إنسان كانت أمامه ساعات وأيام وسنوات يقول فيها: «سأفعل لاحقًا»، ثم جاء وقت أصبح يتمنى فيه ساعة واحدة من ذلك «الفراغ» القديم.
ولهذا فوجود وقت فارغ في حياتك ليس دائمًا مشكلة تحتاج إلى قتلها. قد يكون نعمة تحتاج إلى استثمارها.
نحن نقول أحيانًا: «أريد أن أقتل الوقت». لكن الوقت ليس عدوًا نقتله. إنه عمرنا نحن.
كيف تضيع البركة وسط حياة مزدحمة؟
ليس كل انشغال إنجازًا. قد يمتلئ اليوم من أوله إلى آخره، ثم ينام الإنسان وهو لا يعرف ماذا أنجز حقًا.
إشعار يقوده إلى رسالة، ورسالة تقوده إلى مقطع، ومقطع إلى آخر، ثم خبر، ثم تعليق، ثم نقاش، ثم يعود إلى الشيء الذي بدأه وقد انقطع ذهنه عشر مرات.
وهكذا يمكن أن نعيش في زمن وفرة المعلومات، لكن مع فقر شديد في الانتباه. نرى أشياء كثيرة، ولا نتأمل شيئًا. نقرأ كثيرًا، ولا نتعلم كثيرًا. نتواصل مع عشرات الأشخاص، وربما نقصر في حق أقرب الناس إلينا.
ونعرف ما يحدث في أقصى الأرض، بينما قد لا نعرف ما يحدث في قلب أبٍ أو أم يجلسان بجوارنا.
ليست التقنية هي المشكلة؛ فهي نعمة عظيمة إذا أحسن الإنسان استخدامها. المشكلة أن تتحول الأداة التي كان يفترض أن توفر وقتنا إلى شيء يستهلك أعمارنا دون أن نشعر.
سيُسأل الإنسان عن عمره
قال رسول الله ﷺ:
«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه...»
تأمل التعبير: «فيما أفناه». فالعمر شيء يُفنى. كل دقيقة نعيشها تُستهلك مرة واحدة، ولا توجد طريقة لاستعادتها.
قد تخسر مالًا ثم تكسب غيره، وقد تفقد شيئًا ثم تعوضه، أما الساعة التي مضت من عمرك فلن تعود.
ولهذا لم يكن السؤال: كم كان عمرك؟ بل: فيما أفنيته؟ وهذا يحول نظرتنا للوقت من مجرد ساعات على شاشة إلى أمانة.
لكن الإسلام لا يريد منك أن تقضي حياتك كلها في المسجد
استغلال العمر في الخير لا يعني أن يتحول الإنسان إلى شخص منعزل عن الدنيا. فالعمل النافع من العمر. وتعلم العلم من العمر. وتربية الأبناء من العمر. وبر الوالدين من العمر. والسعي في الرزق الحلال من العمر. وإتقان المهنة من العمر. ومساعدة الناس من العمر. والراحة التي تعينك على مواصلة الطريق من العمر. وحتى الكلمة الطيبة والابتسامة والجلوس مع أهلك يمكن أن تتحول بالنية الصالحة إلى خير تؤجر عليه.
قال الله تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
القصص: 77. — القرآن الكريم
إنها ليست دعوة للهروب من الدنيا، بل دعوة لأن نعيشها بطريقة صحيحة؛ نبني فيها ما ينفعنا وينفع غيرنا، دون أن ننسى إلى أين نمضي في النهاية.
لا تنتظر «عندما يصبح لدي وقت»
من أكثر الجمل التي نخدع بها أنفسنا: «عندما يصبح لدي وقت سأقرأ.» «عندما أهدأ سأحفظ القرآن.» «لاحقًا سأزور والديّ أكثر.» «سأبدأ في الاهتمام بصحتي.» «سأتعلم ذلك الشيء الذي أريده.» «سأتوب عندما تستقر حياتي.»
لكن الحياة نادرًا ما تقول للإنسان: الآن انتهت مشاغلك، تفضل وابدأ. تنتهي مشكلة فتأتي أخرى، وينتهي عمل فيبدأ غيره.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»
— رواه الحاكم والبيهقي، وصححه عدد من أهل العلم
الكلمة المفتاحية هنا هي: اغتنم. أي لا تنتظر حتى تتغير الظروف. ابدأ بما لديك الآن.
قد تكون عشر دقائق أثمن مما تتخيل
ليس المطلوب أن تغير حياتك كلها غدًا. عشر دقائق من القرآن كل يوم قد تصنع خلال السنوات صلة لم تكن موجودة. نصف ساعة يوميًا في تعلم علم أو مهارة قد تغير مستقبلك المهني. مكالمة قصيرة لوالدتك أو والدك قد تكون من أثمن دقائق يومك. ركعتان في هدوء قد تصلحان شيئًا في قلبك أفسدته ساعات من الضجيج. مشي يومي قد يحفظ صحتك. وصدقة صغيرة مستمرة قد تجد أثرها في وقت تحتاج فيه إلى حسنة واحدة.
قال النبي ﷺ:
«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»
ليست القضية دائمًا في ضخامة العمل. أحيانًا تكون البركة في القليل الذي يستمر.
اسأل نفسك سؤالًا مختلفًا
بدل أن تسأل في نهاية اليوم: ماذا فعلت اليوم؟ جرب أحيانًا أن تسأل: ما الشيء الذي فعلته اليوم وأتمنى أن أجده أمامي يوم ألقى الله؟
ثم اسأل سؤالًا آخر: ما الشيء الذي فعلته اليوم وسيجعل دنياي أو حياة شخص آخر أفضل غدًا؟
بهذين السؤالين يجتمع الدين والدنيا. صلاة أديتها، علم تعلمته، عمل أتقنته، خطأ أصلحته، جسد حافظت عليه، والدان بررتهما، طفل علمته، محتاج أعنته، إنسان طيبت خاطره.
هذه الأشياء قد تبدو صغيرة في يوم مزدحم، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع العمر.
«حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون»
من أقسى حقائق الوقت أن قيمته الكاملة قد لا تظهر للإنسان إلا عندما ينتهي نصيبه منه. قال الله تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾
المؤمنون: 99–100. — القرآن الكريم
لم يطلب مالًا أكثر. ولم يطلب بيتًا أكبر. ولم يطلب فرصة ليشاهد شيئًا فاته. طلب وقتًا. وقتًا إضافيًا ليعمل صالحًا. لكن الساعة التي يصل فيها الإنسان إلى هذه الحقيقة هي الساعة التي لا يستطيع فيها العودة.
ولهذا فالنعمة العظيمة أنك تقرأ هذه الكلمات الآن وما زال أمامك شيء من الوقت.
لا تخف من سرعة الأيام.. انتبه إليها
الهدف من التأمل في تقارب الزمان وعلامات الساعة ليس أن يعيش الإنسان مذعورًا وهو يراقب الأيام. وإنما أن يستيقظ قلبه. أن يعرف أن الدنيا ليست دار إقامة، وأن العمر مهما طال قصير، وأن من رحمة الله بنا أنه لم يطلب منا أعمالًا خارقة، وإنما قلبًا يعرف وجهته وعملًا صالحًا مستمرًا.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
الحشر: 18. — القرآن الكريم
«غد» هنا كلمة تهز القلب. لأننا جميعًا نخطط لغد الدنيا، لكن القرآن يدعونا أن نخطط أيضًا لغد الآخرة.
قبل أن تغلق هذه الصفحة
لا تجعل هذا المقال مجرد شيء آخر قرأته ثم انتقلت منه إلى شيء آخر. توقف لحظة. فكر في الأسبوع الماضي. كم ساعة منه تتذكرها فعلًا؟ وكم ساعة اختفت دون أن تعرف أين ذهبت؟
ثم لا تندم طويلًا على ما مضى؛ فما مضى أصبح عند الله، ولكن انظر إلى ما بقي. صلِّ الصلاة القادمة بقلب حاضر. افتح صفحة من القرآن. أنهِ عملًا كنت تؤجله. تعلم شيئًا ينفعك. اتصل بوالديك. اجلس مع أبنائك دون هاتف. سامح إنسانًا. أصلح خطأ. ازرع شيئًا يبقى بعدك.
فربما لا نستطيع أن نجعل الأيام تمشي أبطأ... لكننا نستطيع، بإذن الله، أن نجعلها تمضي وهي تحمل معنا شيئًا يستحق أن يبقى.
فالساعة لا تتوقف لأحد، والعمر لا يسير إلى الخلف. وكل شروق جديد ليس مجرد بداية يوم آخر؛ إنه جزء جديد من العمر أذن الله لك أن تعيشه.
فلا يكن أكبر همّك: كم بقي من الوقت؟ بل اجعل سؤالك: كم من الخير أستطيع أن أضع فيما بقي؟
تابع مواقيت صلاتك، وتعرّف على الثلث الأخير من الليل، واقرأ كيف صنع الإسلام من الوقت حياة، وراجع مصادرنا ومنهجيتنا. تحقّق من مواقيت الصلاة لمدينتك.