الثلث الأخير من الليل: كنزٌ يغفل عنه كثيرون
حين ينام الناس، يُفتح بابٌ لا يُغلق… فمن يطرقه؟
في هذا المقال ستتعرف على:
- ما هو الثلث الأخير من الليل؟
- كيف يُحسب؟
- متى يبدأ في مدينتك؟
- فضل الثلث الأخير من الليل.
- كيف تحافظ على قيام الليل؟
في ثلثِ الليل الأخير، حين تهدأ المدينة وتنطفئ النوافذ واحدةً تلو الأخرى، يبقى بابٌ واحد مفتوحًا لا يزدحم عليه أحد. بابٌ لا يحتاج منك موعدًا ولا وساطة، ولا يردّ سائلًا. غير أن أكثرنا يمرّ على هذه الساعة وهو نائم، غافل عن فضلها.
هذا المقال دعوةٌ هادئة لتتعرّف على هذا الوقت: ما هو، ومتى يبدأ عند مدينتك بالضبط، ولماذا خصّه النبي ﷺ بما لم يخصّ به غيره.
متى يبدأ الثلث الأخير فعلًا؟
الليل — في حساب أهل العلم — يمتدّ من غروب الشمس (المغرب) إلى طلوع الفجر الصادق. فإذا أردت أن تعرف ثلثه الأخير، فاقسم هذه المدّة على ثلاثة، وخُذ الجزء الأخير منها.
ولنأخذ مثالًا يوضّح الفكرة: لو غربت الشمس عند السابعة مساءً، وطلع الفجر عند الرابعة فجرًا، فطول الليل تسع ساعات. ثلثها ثلاث ساعات. فيكون الثلث الأخير هو الساعات الثلاث التي تسبق الفجر — أي من الواحدة بعد منتصف الليل حتى الرابعة.
والمقصود أنّ منتصف الليل ليس هو الساعة الثانية عشرة بالضرورة؛ فمنتصف الليل الشرعي يختلف باختلاف طول الليل والنهار وموقع مدينتك. ولهذا تجد بطاقة «إضاءات الصلاة» في موقعنا تحسب لك بداية الثلث الأخير بحسب مدينتك ويومك، فلا تحتاج إلى ورقةٍ وقلم.
لماذا هذه الساعة بالذات؟
لأن فيها موعدًا كريمًا. روى الشيخان — البخاري ومسلم — عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«يَنزِلُ ربُّنا تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثُلثُ الليلِ الآخِر، فيقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له؟ مَن يسألني فأُعطيَه؟ مَن يستغفرني فأغفرَ له؟»
تأمّل الكلمات: سؤالٌ يُطرح عليك أنت، في وقتٍ أنت فيه أقربُ ما تكون إلى الصدق، حين لا رياءَ ولا شاغل. لا أحد يراك، ولا أحد يسمعك، فيصير دعاؤك خالصًا كما لا يكون في النهار.
وقد أثنى الله على أهل هذه الساعة فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ • وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وقال في وصف عباد الرحمن: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. وليس بعد هذا الثناء ثناء.
ليست مسألة قدرةٍ بقدر ما هي نيّة
كثيرون يظنّون أن قيام الليل بابٌ للخاصّة وحدهم، وأنه يحتاج إلى قوّةٍ ليست فيهم. والحقيقة أرحم من ذلك. النبي ﷺ قال: «أفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل» — ولم يشترط ركعاتٍ كثيرة. فركعتان خفيفتان قبل الفجر، تختمهما بدعاءٍ من قلبك واستغفار، خيرٌ من ليلةٍ كاملةٍ من التمنّي.
وإن عجزت عن القيام، فلك في السحَر بابٌ آخر لا يحتاج وضوءًا ولا قيامًا: الاستغفار وأنت على فراشك، والدعاء بين يديّ الله. فإنّ الوقت مباركٌ في نفسه، وأنت فيه ضيفٌ مدعوّ، سواء قمت أو دعوت وأنت مضطجع.
كيف تجعلها عادةً لا حدثًا عابرًا
- اعرف وقتها في مدينتك. أكثر ما يمنع الناس أنهم لا يعرفون متى يبدأ الثلث الأخير أصلًا؛ فإذا رأيته مكتوبًا أمامك، صار قريبًا ممكنًا.
- اربطه بنومك، لا بيقظتك. نَم مبكرًا بنيّة القيام، فالنيّة الصادقة نصف الطريق، ومن نوى القيام فغلبته عيناه كُتب له أجرُه ونومُه صدقة.
- ابدأ صغيرًا. ليلةً في الأسبوع، ثم ليلتين. القليل الدائم خيرٌ من الكثير المنقطع، كما أحبّ النبيُّ ﷺ من العمل أدومَه وإن قلّ.
- اجعل آخر دعائك على الفراش هو أول دعائك في السحَر. الحاجة التي تنام وهي تشغلك، اطرحها في الوقت الذي يُستجاب فيه.
قبل أن تنام الليلة
لن يطرق هذا البابَ إلا من عرف أنه مفتوح. وقد عرفتَه الآن. فلا تجعل هذه الليلة تمرّ كسابقاتها؛ اضبط في قلبك موعدًا مع ربّك قبل الفجر، ولو بدقائق. تصفّح مواقيت الصلاة لمدينتك، وانظر متى يبدأ ثلثك الأخير في بطاقة «إضاءات الصلاة» — ثم نَم على نيّة، فربّما كانت هذه أوّل ليلةٍ في طريقٍ طويلٍ من النور.
تنبيه: الأوقات المعروضة في الموقع تقديرية للاسترشاد، وتُحسب من مواقيت مدينتك؛ وما يتعلّق بالأحكام يُرجع فيه إلى أهل العلم.